الإرهاب الاقتصادي الدولي وتهديدات الأمن الاقتصادي العالمي بقلم البرفسور الدكتور حميد الجميلي
يعاني الاقتصاد العالمي اليوم من مشكلات اقتصادية
متجذرة في هيكل النظام الاقتصادي العالمي ومؤسساته،
ما يلحق أفدح الأضرار بالأمن الاقتصادي العالمي، ويعرضه لشتى أنواع الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
فالاقتصاد الدولي يشهد اليوم موجة هبوط عام في معدلات النمو، وزيادة كبيرة في معدلات البطالة،
وبطء نمو الموارد المالية اللازمة لتنمية البلدان النامية، والفقر المطلق،
وتذبذب أسعار الصرف, وانخفاض أسعار السلع الأساسية، وانتشار مساوئ العولمة الاقتصادية والبعد اللا إنساني لها؛
وكلها أشكال جديدة من الإرهاب الاقتصادي الدولي الذي تمارسه مراكز الرأسمالية العالمية
.
ما يزيد من حالات الإرهاب الاقتصادي الدولي أن هنالك شكوكًا متزايدة
بشأن توافر الإرادة والقدرة لدى الدول المتقدمة والمؤسسات المالية الدولية
على تحقيق توازن بين احتياجات الحاضر والمستقبل عن طريق توفير الأمن الكافي للنظام الاقتصادي العالمي،
وإدارته إدارة اقتصادية عادلة.
و
يسود شعور بأن
البيئة الاقتصادية الدولية آخذة في التدهور،
فضلاً عن عدم الارتياح إزاء ما سيورث للأجيال المقبلة بسبب موجة العولمة والأزمات الاقتصادية التي تحدث بصفة دورية وتخلف الدمار،
كما حدث في جنوب شرق آسيا ويحدث الآن في أمريكا اللاتينية
.
لقد ساعدت العولمة المالية، وإزالة نظم الرقابة الحكومية على حركة الاستثمارات الأجنبية وتحويلها من سوق مالية إلى سوق أخرى عبر الأزرار الإلكترونية
،
على إضافة مصدر جديد من مصادر الإرهاب الاقتصادي الدولي
الذي يعرض الأمن الاقتصادي العالمي لمخاطر عظيمة
.
تُمثِّل التغيرات المتكررة في أسعار الفائدة مصدرًا إضافيًّا من مصادر الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
فلقد أصبحت هذه الأسعار أكثر تقلبًا في السنوات الأخيرة،
فأثرت على عدد متزايد من البلدان، وبوجه خاص البلدان النامية المدينة،
كما أن الوصول إلى أسواق الائتمان بات مقيدًا ومبنيًّا على أسس سياسية.
و
يشكل عدم الاستقرار في أسعار السلع الأساسية مصدرًا مهمًّا من مصادر الإرهاب الاقتصادي الدولي،
خاصة أن عددًا كبيرًا من البلدان النامية تعتمد في حصائلها أساسًا على صادرات واحدة أو مجموعة قليلة من السلع الأساسية
.
وأسعار السلع الأساسية ليست منخفضة ومتدنية لفترة طويلة فحسب،
لكنها تخضع أيضًا لتقلبات واسعة تُعرِّض أمن البلدان النامية المصدرة لهذه السلع لمخاطر كبيرة
.
لذلك
تعددت أشكل الإرهاب الاقتصادي الدولي في ظل العولمة،
وأخذ هذا الإرهاب شكل الوسائل الاقتصادية القسرية في العلاقات الاقتصادية الدولية
.
فالتفرد في القرار الاقتصادي الكوني
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي في الاقتصاد العالمي
.
والهيمنة على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وفرض برامجهما المسماة «برامج الإصلاح والتصحيح الاقتصادي»
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
وتدويل الأزمات ونشر عدواها بسرعة الأزرار الكهربائية
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
وإلغاء نظم الرقابة الحكومية وتقليص سلطات الدولة الاقتصادية
ونقل مقومات سيادتها إلى المنظمات الدولية ومراكز الرأسمالية المتقدمة
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
والهيمنة على التجارة الدولية والنظام التجاري العالمي الجديد من خلال منظمة التجارة العالمية
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
والهيمنة على الشركات متعددة الجنسية من جانب القوى الاقتصادية العالمية
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
والهيمنة على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر والوارد عالميًا من جانب مراكز الرأسمالية النقدية
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
والهيمنة على حركة رأس المال العالمي وعلى حركة بورصات المال العالمية وأسواقه من جانب هذه المراكز
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
وفرض نماذج التحررية الاقتصادية ذات الأبعاد الأيديولوجية من جانب المنظمات الدولية
هو الآخر نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
وتقويض مبدأ التعاون الاقتصادي المتعدد الأطراف من جانب مراكز الرأسمالية العالمية
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وتهميش دول الجنوب ودمجها في الاقتصاد العالمي من موقع متخلف
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي في العلاقات الاقتصادية الدولية
.
وفرض القوانين التجارية لدولة ما في التجارة الدولية
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وفتح الأسواق العالمية عنوة أمام سلع مراكز الرأسمالية العالمية وخدماتها واستثماراتها
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وشن الحروب التجارية على دول العالم، حتى على الدول النامية والدول الفقيرة،
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
واختلاق عدو مفترض في دول العالم النامي
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وتقليص مساحة القطاع العام
وفرض نماذج الخصخصة بالقوة
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
والإدارة الشديدة المركزية للاقتصاد العالمي من جانب شركات مراكز الرأسمالية العالمية والمنظمات الدولية التي تسيطر عليها تلك المراكز الرأسمالية
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
والهيمنة على ثروات الشعوب ومواردها
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
والهيمنة على مدخرات العالم النامي
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
والهيمنة على أكبر خمس شركات متعددة الجنسية،
من مجموع 60000 شركة متعددة الجنسية في العالم،
هي نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وتعريض الاقتصاد العالمي لأزمات متلاحقة
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وجر الاقتصاد العالمي إلى هاوية الركود والكساد
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وخلق الأزمات الاقتصادية في دول العالم النامي،
مثل أزمة جنوب شرق آسيا وأزمة الأرجنتين الاقتصادية،
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي العالمي
.
وسياسة اللامبالاة واعتماد المستهلك الأمريكي على القروض المصرفية وبطاقات الائتمان وعيشة حياة الترف والبذخ
على حساب مدخرات العالم !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
هي نوع من الإرهاب الأمريكي
.
وإجبار دول العالم على تغيير وإعادة هيكلة سياساتها واقتصادها
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي الذي تمارسه المؤسسات الاقتصادية العالمية
.
و
قيام مراكز الرأسمالية العالمية بتعطيل المدونات والصكوك الدولية -كصك بناء الثقة في العلاقات الاقتصادية الدولية، وصك ميثاق حقوق الدول وواجباتها الاقتصادية، وصك تحقيق الأمن الاقتصادي العالمي، وصك المدونة الدولية لسلوك الشركات متعددة الجنسية، وصك أساليب نقل التكنولوجيا إلى الدول النامية –
هو
نوع من الإرهاب في الاقتصاد العالمي وفي العلاقات الاقتصادية الدولية
.
و
في مجال الإرهاب التكنولوجي
،
ينجم عن التكنولوجيا السريعة التطور والتغير أيضًا عدم إمكانية التنبؤ.
فالتطور التكنولوجي في بلد معين يمكن أن يحدث تغييرا فوريًّا في الميزة النسبية
.
وهنالك نقص كبير في مدى وضوح عملية التقدم التكنولوجي
.
فكلما كانت وتيرة التغير سريعة،
كلما توسع المدى الجغرافي للتقدم التكنولوجي،
وزادت احتمالات عدم الاستقرار، وهو نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
أما تفاقم المديونية الخارجية للدول النامية،
التي تتراوح بين 3 - 3.5 تريليون دولار،
فإنه من أبشع أنواع الإرهاب الاقتصادي
.
وما عمق من هذا الإرهاب سياسات صندوق النقد الدولي
التي لم تساعد الدول النامية على إيجاد حلول طويلة الأمد لهذه الإشكالية
.
فمديونية إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا كلها تبتلع الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي لهذه المجموعات الدولية.
فالاقتصاد الأرجنتيني، مثلاً،
يواجه ديونًا تزيد على 130 مليار دولار،
وهي تمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي.
ولم ينقذ القرض الذي قدمه صندوق النقد الدولي في كانون الأول / ديسمبر 2001، البالغ قيمته نحو 39.7 مليار دولار، اقتصاد الأرجنتين من التدهور
.
وهذا ما حدث ومازال يحدث في دول إفريقية وآسيوية تعاني من أزمات اقتصادية حادة جعلتها عاجزة عن سداد الديون وفوائدها
.
ولم تُجْدِ محاولات حكومات هذه الدول من خلال لجوئها إلى نادي باريس أو نادي لندن لإعادة جدولة قروضها، أو تخفيض معدلات الفائدة، أو تمديد فترة السداد، أو حتى إلغاء جزء من هذه الديون.
و
في مثل هذه الحالات تفرض شروط جديدة على هذه الدول
.
ولقد أدى تزايد الديون الخارجية للدول النامية والفوائد المترتبة عليها إلى حدوث أزمات اقتصادية واجتماعية على دول العالم الثالث وشعوبها
تجسدت في تعطيل مشروعات التنمية الاقتصادية
.
فاضطرت هذه الدول إلى اتباع سياسات اقتصادية ومالية تقشفية صعبة
ترتب عنها تزايد معدلات التضخم والضغوط الضريبية وتقليص النفقات
.
فتراجع مستوى الخدمات،
لا سيما الأساسية منها كالتعليم والصحة والاهتمام بالبيئة، إلى أدنى مستواه،
ما عَمَّق الضررَ على الشريحة الكبرى من محدودي الدخل والفقراء في مجتمعات هذه الدول
.
لطالما تهربت الدول المتقدمة النمو من وضع حلول طويلة الأجل لمسألة المديونية في دول العالم النامي
التي ترى أن مراكز الرأسمالية العالمية هي السبب في تفاقم هذه المسألة
.
كما أن إحلال التكنولوجيا المتقدمة محل قوة العمل البشرية، خاصة في الدول النامية،
يعد هو الآخر نوعًا من الإرهاب الاقتصادي الدولي.
وهذا الموضوع يثير الرعب والخوف ليس في العالم الثالث فحسب،
بل في العالم المتقدم الصناعي كذلك
.
أما
قضية
عولمة الفقر كأحد أبرز نتاج العولمة الاقتصادية
،
فتعد أعلى مراتب الإرهاب الاقتصادي الدولي المعاصر
.
وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن
هناك أكثر من 1.5 مليار نسمة كانوا يعانون من فقر الدخل،
ويعيشون على أقل من دولار واحد يوميًّا، في عام 2004 مقابل 1.2 مليار في عام 1978.
ومثال ذلك الأرجنتين التي زاد عدد الفقراء فيها ليصل إلى 3.5 مليون شخص.
ويفتقر أكثر من مليار نسمة في الدول النامية إلى المياه المأمونة،
وأكثر من 2.4 مليار نسمة إلى صرف صحي لائق.
وقد أكد الأمين العام للأمم المتحدة هذه الحقيقة بقوله
إن خمس سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر بدخل يومي لا يتجاوز الدولار الواحد،
وهم يعانون البؤس والجوع، وتفتك بهم الأمراض.
لقد أصبحت البطالة بكل أنواعها ظاهرة دورية تهدد العالم أجمع،
والعالم النامي خاصة.
فهناك اليوم حوالي ثلث القوة العاملة في العالم، وعددها ثلاثة مليارات شخص،
يعانون من البطالة،أو في حالة بطالة مقنعة.
وإن نصف هؤلاء يعيشون تحت خط الفقر. وجاء في تقرير التنمية البشرية لعام 2000 الصادر عن الأمم المتحدة أن معدلات البطالة التي وصلت إليها الأرجنتين
تُعَدُّ مخفية جدًا بسبب السيطرة الأجنبية على الشركات والاستثمارات الأرجنتينية.
وقد تصاعدت أرقام البطالة لتصل إلى 15.4٪ مقابل 13.8 خلال الفترة 1997 - 2000،
وبلغت مؤخرًا 16٪ من مجموع القوى العاملة البالغة 14.5 مليون عامل.
وتُمثل سياسات صندوق النقد الدولي أحد الأسباب الرئيسية لهذه الأزمة.
لعل أبرز مؤشرات الإرهاب الاقتصادي الدولي في مجال البطالة
ملاحظة أن عدد العاطلين عن العمل،
وفقًا لتقرير منظمة العمل الدولية،
قد بلغ في مطلع عام 2001 نحو 160 مليون شخص، مقارنة بنحو 140 مليون شخص قبل عامين من ذلك التاريخ
.
لقد تفاقم وضع البطالة مع تعمق الأزمات الاقتصادية في دول العالم النامي عمومًا،
وتعد الدورات التجارية وما يصاحبها من نشر عدواها إلى الاقتصادات الأخرى
إرهابًا اقتصاديًا جديدًا.
والدورات التجارية هي جزء متأصل في دينامية عمل ا لنظام الرأسمالي وآلية السوق الحرة
.
وهي،
من فترات رواج وفترات كساد،
جزء لا ينفصل عن النظام الرأسمالي بكل أشكاله.
فالاقتصاد الرأسمالي، مهما كان نوعه،
يمر بفترات رواج وفترات كساد تتأثر بها الشركات الكبر ى سلبًا وإيجابًا.
و
هكذا، باتت اقتصادات العالم النامي مع بداية القرن الحادي والعشرين
تخضع لشتى أنواع الإرهاب الاقتصادي الدولي،
إرهاب اقتصادي متعدد الألوان والأشكال
.
وإن تفشي ظاهرة الإرهاب في الاقتصاد الدولي الذي تمارسه مراكز الرأسمالية المتقدمة من خلال سياساتها الاقتصادية
يهدف في نهاية المطاف إلى جعل عالم الجنوب محاطًا بضغوط من كل الاتجاهات
.
وتسعى هذه المراكز إلى ممارسة الإرهاب الاقتصادي في الاقتصاد العالمي
عبر قنوات الدولار والنفط والمعادن والأسلحة،
ولم يعد أمامها لتصحيح اختلالات موازينها التجارية سوى التهديد بفتح الأسواق بالقوة،
ما يتنافى والخطاب المعاصر الداعي إلى حرية التجارة
.
فهي تريد تأجيل مواجهة أزمتها الاقتصادية.
وإن قطع الطريق أمام أوربا الموحدة واليابان،
وإلغاء موقعها كقوة عالمية،
هو نوع من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
و
كذلك فإن فسح المجال للاقتصاد الإقليمي،
وضرب التضامن العربي، وتعطيل مسيرة العمل الاقتصادي العربي المشترك،
هي أمور تشكل نوعًا آخر من الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
و
لقد أخذت بعض تلك المراكز تلوح بالقوة في كل مكان،
وتشهر السيف في عروض تطويع العام وتعبئة موارده المالية لتكريس نمط الحياة الغربية،
والإبقاء على رفاهية المجتمع الغربي على حساب العالم بأجمعه حتى على حساب الشركاء
.
يخطئ من يظن أن قوى العولمة وقوى التحررية الاقتصادية الجديدة
هي قوى غير إرهابية في الاقتصاد العالمي المعولم
.
وإن عناصر الهيمنة التي تمتلكها مراكز الرأسمالية المتقدمة
تعد فعلاً وتمارس كقوى من قبيل الإرهاب الاقتصادي الدولي
.
ولقد فشلت هذه القوى وقوى الهيمنة وقوى السوق ونظرية اليد الخفية
في معالجة هذه الاختلالات التي تعاني منها هذه المراكز
.
إن من أخطر أنواع الإرهاب الاقتصادي الدولي
محاولة بعض مراكز الرأسمالية نقل أعباء أزماتها الاقتصادية إلى بقية مفاصل الاقتصاد العالمي
،
خاصة إلى اقتصادات دول الجنوب
.
ويلاحظ أن بعض هذه المراكز أخذت تفقد تدريجيًّا نفوذها الاقتصادي ومكانتها الاقتصادية العالمية منذ بداية التسعينيات
،
وأنها فقدت الكثير من نفوذها كدول قائدة لمحور الإنتاج الصناعي في العالم،
وكمراكز جذب للاستثمارات الأجنبية.
وقد أخذت مثل هذه المراكز تمارس شتى أنواع الإرهاب الاقتصادي الدولي
من أجل استعادة ذلك النفوذ والمواقع الاقتصادية في الاقتصاد العالمي
.
ومن خلال تحليل مؤشرات أداء هذه المراكز
يتضح أن الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها ليست ذات طبيعة دورية فحسب،
بل هي أحد أعراض الاضطراب الهيكلي المتأصل في المتغيرات الداخلية والخارجية المكونة للاقتصاد العالمي
.
وهذا يعني أن أزمات الاقتصاد العالمي هي أزمات دهرية هيكلية
تعكس ظواهر عميقة الجذور وطويلة الأجل
،
وهي بهذا المعنى مظهر لعدم التوازن والاختلال الهيكليين عميقي الجذور
.
وإن عدم إمكانية إيجاد حلول لهذه الأزمات
يؤكد عدم قدرة السياسة النقدية والمالية على معالجة اختلالات الاقتصاد العالمي الداخلية والخارجية
.
وفي هذا الإطار،
لا بد من التأكيد بأن محاولة هذه المراكز اتباع سياسات قصيرة الأجل، ضيقة الأفق، أحادية الجانب،
هي
محاولة غير مجدية
لأن الطبيعة المتكاملة للاقتصاد العالمي، وتشابك المشكلات بصورة متزايدة،
وحلولها المتداخلة، تستوجب نهجًا عالميًا مشتركًا
يأخذ في الاعتبار جميع مشكلات الاقتصاد العالمي
.
لجأت مراكز الرأسمالية العالمية، ضمن توجهاتها لتأجيل أزمتها التاريخية،
إلى تخريب التعددية (التعاون الاقتصادي المتعدد الأطراف).
فقد شهد عقد الثمانينيات محاولات كثيرة من جانبها للاستعاضة عن الإجراءات المنسقة ذات النطاق العالمي
بانتهاج ثنائية غير منسقة
تقوض تعددية الأطراف
.
ويكشف التآكل الحالي الذي يتعرض له مبدأ التعددية عن المحاولات الرامية
إلى تخريب هذا المبدأ وإضعافه عن طريق اللجوء المتزايد إلى الثنائية من جانب القوى الرأسمالية،
بهدف تحقيق أهداف خاصة على حساب البلدان النامية،
وعلى حساب الشركاء التجاريين من بلدان الشمال.
لقد أدركت تلك المراكز
أن نمط إنتاجها لم يعد مؤهلاً لإدامة نمط الحياة الإقتصادية،
ولجأت إلى الاعتماد على مصدر خارجي لتمويل عجزها المالي.
ولذلك باتت تضغط على الاقتصاد الياباني
الذي أصبح قادرًا على أن يقول للولايات المتحدة:
لقد بدأ عصر العملاق الياباني الذي لن يكون عملاقًا ثالثًا،
خاصة أن الاقتصاد الأمريكي أوشك أن يبلغ سن الشيخوخة المبكرة
في أداء دوره كمحور للإنتاج الصناعي العالمي،
واليابان هي المؤهلة الأولى والوحيدة لانتزاع هذا ا لدور المحوري.
إن «لا» اليابانية هي المؤشر الأول والأساسي على معركة محيط هادىءٍ جديدة
تكون نقيضًا لمعركة المحيط الهادي القديمة الفاصلة
التي جرت بين أمريكا واليابان،
و
كرست هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية
.
لقد أصبح واضحًا أن اليابان ترى أن الأمريكان كانوا عنصريين تمامًا في تحميل اليابان مسؤولية الخلل الهائل في ميزان التجارة الأمريكي
،
إذ إن مسؤولية هذا الخلل تقع على عاتق الولايات المتحدة وعلى الأمريكيين
الذين لم يكبحوا جماح رغباتهم في تحقيق الكسب السريع،
متجاهلين الانعكاسات السلبية لذلك على قواهم العاملة والمنتجة،
وهم بذلك أغرقوا اقتصادهم في حفرة لا قدرة لهم على النهوض منها.
وترى اليابان اليوم
أن
نمط الحياة الأمريكية هو الطريق الذي سيوصل الأمريكان في نهاية المطاف إلى قبرهم الاقتصادي
.
ذلك النمط الذي يجعل الأمريكان يعيشون هوسا استهلاكيًّا
يدفعهم للعيش ببذخ يتجاوز إمكاناتهم وقدراتهم الشرائية
.
وهم استسهلوا الاعتماد على التمويل الخارجي
للاستمرار في ذلك النمط
غير مدركين عدم قابلية وضع كهذا للاستمرار إلى ما لا نهاية
.
وتتبع بعض مراكز الرأسمالية اليوم سياسات وممارسات اقتصادية فردية وقسرية وتمييزية وسيلة لممارسة الضغط الاقتصادي والسياسي على دول العالم النامي والمتقدم على حد سواء،
ما يعد انتهاكًا لحقوق الدول وواجباتها الاقتصادية،
ولمبادئ بناء الثقة في العلاقات الدولية،
ومبادئ الأمن الاقتصادي العالمي.
إن السياسات بهذا التوجه تسهم إسهامًا كبيرًا في تعريض الأمن الاقتصادي العالمي لمخاطر عدم الاستقرار وتدهور البيئة الاقتصادية العالمية
.
كما إن التدابير الاقتصادية كوسيلة للقسر الاقتصادي لا يمكن تبريرها من منظور القانون الدولي
.
وكذلك الأخذ بتدابير القسر السياسي والاقتصادي
لا يتفق مع مواد مجموعة الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (مجموعة الغات)
و
الملاحظ من جميع تقارير الأمم المتحدة الاقتصادية
أن ممارسة القسر الاقتصادي في ازدياد متواصل،
وتشكل جزءا من الاستراتيجية الاقتصادية في العلاقات الخارجية للولايات المتحدة
.
ولعل من أبرز أمثلة التدابير الاقتصادية كوسيلة لممارسة الضغط الاقتصادي والسياسي
:
الحظر، والمقاطعة، والحصار الاقتصادي، وقطع التعاون في المجالات الاقتصادية والعلمية والتقنية، ومنع الاستيراد، وتقييد نقل التكنولوجيا، وتجميد الأرصدة، ووضع قيود على حركة رؤوس الأموال، واختلاق صعوبات اقتصادية أمام تنمية البلد المقابل،
وتدمير اقتصاد بلد آخر.
إن هذه التدابير،
التي غالبًا ما تلجأ إليها بعض مراكز الرأسمالية كلما اشتدت أزمتها،
ما هي إلا محاولات فاشلة لزعزعة الاستقرار الاقتصادي والسياسي في بلد معين
.
وإن السياسات الاقتصادية لهذه المراكز تعرض الأمن الاقتصادي العالمي لمخاطر كثيرة،
في حين أن هذا الأمن يُعدُّ شرطًا رئيسيًّا لتحسين العلاقات الاقتصادية الدولية
وتعزيز التعاون الاقتصادي الدولي المتعدد الأطراف
.
وبسبب السياسات الاقتصادية التي تتخذها الولايات المتحدة،
خاصة استخدام القوة الاقتصادية سلاحًا علنيًّا من أسلحة السياسة الخارجية،
تَزايد انعدام الأمن الاقتصادي العالمي
.
ومع تزايد هذا الانعدام، زادت الشكوك أمام النهج المتعدد الأطراف في ميدان الشؤون الاقتصادية الدولية،
وأصبحت القرارات الاقتصادية وآثارها أقل وضوحًا وشفافية
.
وفضلاً عن ذلك،
فقد اتبعت هذه المراكز ما يسمى بأدبيات الأمم المتحدة
«النزعة الأحادية القسرية»
بلجوئها إلى اتباع مجموعة متنوعة من الإجراءات التجارية الأحادية والثنائية
في إطار ما يسمى « السياسة التجارية الاستراتيجية»،
التي تهدف إلى ممارسة ضغط من جانب واحد على بلدان أخرى
لفتح أسواقها أمام السلع الأمريكية !!!!!!!.
وبهذا المعنى
يلاحظ أن هذه المراكز تقوم باتخاذ قرار من جانب واحد
لتحديد ما هو عادل أو غير عادل من الممارسات التجارية للبلد الشريك
.
وتأتي سياسات هذه المراكز الرأسمالية
بهدف عرقلة النظام التجاري الدولي المفتوح،
بالاعتماد على التهديد بالانتقام التجاري للتخفيف من عقبات أجنبية مزعومة أمام صادرات تلك المراكز.
أستاذ الاقتصاد في أكاديمية الدراسات العليا طرابلس

هناك تعليق واحد:
شركة المثالية للتنظيف
شركة المثالية للنظافة الشاملة
شركة المثالية للتنظيف بالدمام
شركة المثالية للتنظيف بالخبر
شركة المثالية للتنظيف بالجبيل
المثالية للتنظيف الاحساء
شركة المثالية للتنظيف بالقطيف
المثالية للتنظيف بالقطيف
المثالية للتنظيف سيهات
شركة المثالية للتنظيف بالاحساء
المثالية للتنظيف بالاحساء
شركة المثالية للتنظيف بجدة
شركة المثالية للتنظيف بالطائف
شركة المثالية للتنظيف بمكة
إرسال تعليق