كلمة حان وقتـها عن الاقتصاد الإســلامي
للشيخ حامد العلي .
فهل عرضنا النظام الاقتصادي الإسلامي ، بما يليق بعظمـته ،
لإنقاذ البشرية من تيه التخبـّط الذي ورثته من المناهج الوضعية التي بان خواؤها ، وثبت فشـلها.
أولاً
ينبغي أن يعلم أن ما يطلق عليه البنوك الإسلامية ,
ليست هي النظام الاقتصادي الإسلامي ،
كما أنَّ عدَّهـا مؤسسات تمثّلـه بحـقِّ ،
يحتـاج إلى كثير من النظر قبل إطلاقــه .
#
والأقــرب أنَّ إطلاق اسم مصارف غير ربوية عليها ،
أولى من تسميتها مصارف إسلامية ،
وذلك لأنهــا لم تحقق ـ فيما أعلم ـ مقاصد الاقتصاد الإسلامي
كما ينبغي أن يراها الناس ،
وهـي تحتاج إلى كثير من النقد الصارم ، البريء من أيّ مجاملة ،
لتتقدم نحو التطوير المطلوب ،
لتتأهَّـل لتمثيـل مشروع الخلاص الإسلامي العالمي في جانبه الاقتصادي.
@@
ولعـلَّ أعظـم فشل وقعت فيها ،
أنها لـم تستطع أن تتخلص من العلاقة بنظام مالـي عالمـي ربوي فاسـد ،
ولم تحقق الاستقلال الاقتصادي للأمّـة
.
وهذا هو أعظـم أهداف الاقتصاد الإسلامي ،
أعني أن يحقق هذا النظـام لأمة الإسلام استقلالا اقتصاديا تامَّـا ،
يقطع بالكلية هيمنة المال الغربي ومؤسساته على النظام المالي العالمي ،
وعلى المال الإسلامي من باب أولى ،
ويعيـد النظـر في كلَّ ما بني منذ مؤتمر بريتن وودز 1944م ،
ويوجـد بديلا إسلاميا كاملا عن كلِّ من البنك الدولي ، ومؤسسة النقد الدولي ، بل حتى منظمة التجارة العالمية .
%%%%%%
وبهذا ينـزع من يد العالم الغربي القدرة على تهديد العالم الإسلامي بسلاح المقاطعة الاقتصادية ،
ويلغي ذلك إلى الأبـد.
ومعلـوم أنَّ هذا السلاح الغربي هـو من أعظـم السيـوف المسلَّطـة على أمتنا ،
بسبب هيمنة الاقتصاد العالمي الذي كانت أمريكا تقوده قبل أن يسقط قارون العصر.
%%
ولسنا نبدي خافيا ، ولانفضح ســراً ،
إذا قلنا أن من تسمي نفسها البنوك الإسلامية ،
تسـرع إلى الخضوع للقرارات الأمريكية الظالمـة ،
حتى إلى درجـة تجميد حسابات المؤسسات الخيرية الإسلامية ،
بل بعضها سبق البنوك الربوية في هذه المسارعة !!
وهي بذلك بدلا من أن تحقق هدف القضاء على الفقر في بلاد الإسلام ،
وهو ثاني أعظم أهداف الاقتصاد الإسلامي ،
تعاونت مع الغرب بقيادة أمريكا الصليبية ، لزيادة معاناة فقراء المسلمين ،
ومنع وصـول التبرعات لأيتام المسلمين ، وضعفاءهم !
وقد يعتذر معتذر هنا بأنَّ ذلك بسبب كونها تابـعة للنظام السياسي الخاضع أصلا للإرادة الأمريكية ،
ولعمري إن هذا لمن أعظـم عيوب هذه المؤسسات ،
فكيف يمكنـها أن توجد الربط المطلـوب منها ، بين اقتصاد الأمة ، وأهداف رسالتها
ـ وهو ثالث أعظم أهداف النظام الإقتصادي الإسلامي ـ
إذا كانت هي تابعـة للنظام السياسي العربي الذي يقوض أهداف الأمـة ،
ويهدم رسالتها !!
هذا وكلُّ من يشهد عن قرب تعاملات هذه البنوك
ـ التي فضلنا تسميتها غير ربوية على تسميتها إسلامية ـ
يرى بوضوح أنهـا لا تزال تبتعد عن :
استثمـار مال الأمة فيما يعود عليها بالنفع ، ويقضي على مشكلات الفقر ،
إلى تضخيم ارتباطهـا بالبنوك الغربية ، ومؤسساتها .
وعن
تحويل المساهمين لشركاء لا مقترضين ،
إلى زيادة عدد المدينين للبنك في صورة بيوع مرابحة شكلية ، وتورق غير شرعي ، واستصناع صوري ..إلـخ
وعن
الظهور بصورة الحرب على الربا وعلى الحيل عليه ،
إلى اختراع معاملات ظاهرهـا بيع ، وباطنها القرض بفائدة ،
حتى أصبح ما يسمَّـى ثقافة بطاقات الائتمان أسعد ما تكون في بعض هذه البنـوك!
حتى لـقد أسس بعضهـا شركات تأمين ، تابعة لها
، شملــت عقودها حتى الديون المؤجـلة على الزبون ،
وحتى لو سدد ديونه كاملة ، لم ترجع إليه أقساط التأمين على دينه !!
وعـن
الإسهام في نشر ثقافة الإحسان ، وتنمية المال بالصدقة ، وربط الرزق بالإيمان ،
إلى
الظهور بمظهر الجشع ، والرغبة الجامحة في الربح السريع .
ولهذا نرى بوضوح
أن المشاريع الخيرية التي تؤسساها وترعاها البنوك التي تسمى نفسها إسلامية قليلة جــداً ،
وأحيانا معدومة تمامــاً ،
وقد ظهرت في عيون الناظريـن في صورة التاجر الذي لا يهمه سوى ارتفاع هامش الربح ،
مستغلاً كلّ ما يمكنه استغلاله من حاجة الناس ، أو رغباتهـم.
أما رحمة المعسريــن ، وإسقاط الديون عمـَّـن وقعت عليهم الكوارث ،
فهيـهات أن يحـدث ذلك !
بينما تفعله بعض البنوك الربوية ، إن كان الدين يسيراً ، فوا أسـفاه !!
ومن عجائب جشع هذه البنـوك التي تسمي نفسها إسلاميـّة ،
أنَّ أحـدهـا ، لم يدع قــولاً شاذَّا يبيح معاملة مصرفيـّة تصبُّ عليـه الأربـاح ، إلاَّ اتَّبعــه ،
ولم يتجاوز خلافـاً على مسألة في بيــع ،
إلاّ أخذ بالقول المرجـوح الضعيف إذا كان يمكّنـه من الحصول على الربـح !
فلما جاءت مسألة ضع وتعجــّل
ـ أي أعجـِّل لك الدين وضع عـنِّي بعضه ـ
وفيها أصح قولــي الفقهاء جواز أن يسقط الدائن بعض الدين ،
إذا تعجـّل المدين الدفع قبل الأجـل ، تمسَّك البنك بقول من يحرِّم ذلك ،
لأنَّ المصلحة هـنا صارت في خانة الزبـون ، وأصبـح التيسير لصالحــه!
ومعلوم أن من أعظـم أسباب تدهور مسيرة هذه البنوك ،
أنهـا لا تسمع النقد الصريح الذي يقوِّمها ،
وليس ثمـة احتساب من علماء مستقلين على معاملاتهـا ،
فحتـَّى الهيئات الشرعية التي تفتي لها ،
هـم ـ كلجان الإفتاء الرسميـة التابعة للأنظمة السياسية التي تفتـي بهواهـا ـ
يتقاضون رواتـب عالية ، ومكافآت مجزية ، من نفـس البنـك ،
فأنـَّـى لهم أن يوقفـوا هذه البنـوك عن ابتعادهـا عن أهداف الاقتصـاد الإسلامي !!
ولن أقسـو بالنقد إنْ قلت إنـه قـد أصبح كلُّ همِّهم أن يبقى البنك منافسا للبنوك الربوية ،
من حيث الملاءة ، والسمعة المالية
ـ التي أحيانا تكون وهميـَّة ـ في البورصات ،
وأن تكون الفتاوى متساوقة مع هذا الهـدف الأسمى لا غيـر !
ــــــــــــــ
هذا
ولا يعني هذا النقد الصريح للبنوك غير الربوية ،
أنها لـم تعـد ضرورية ،
بل هي خطوة في اتجاه صحيح ،
ومن هنـا فالذين يحاولـون إزالة الفرق بينها ، وبين البنوك الربوية ،
التي تعلن الحرب على الله تعالى ، وديـنه ، وتبيح الربا جهارا نهارا ،
كاذبون مفترون .
ولا يزعم أنه لا فرق بين البنوك التي تحرِّم الربا ، والبنوك الربوية المعروفـة ،
إلاَّ جاهـل ، أو ضالُّ خبيث الطويـِّة ،
يقصد من ذلك محاربة أي خطوة يقصد بها الناس الاقتراب من شريعة الله تعالى ،
ومـن تمثّلها في حياتهـم.
%%%%%%%%%%
وإنما المقصود بهذا المقال التنبيه إلى أنه من الخطورة بمكان ،
أن نهلّل لهذه البنوك ، ونضفي الشرعية الكاملة على جميع تعاملاتـها ،
لمجرد إعلانها أنها إسلامية ، وخوفـنا من استغلال البنوك الربوية لنقدنا ضدها.
بينما نحن نرى أنَّ معالم الاقتصاد الإسلامي ،كما يليق بعظمة شريعتنا ، وطهرها ، ونقاءها من ملوِّثات الرأسمالية الغربية الربوية ،
غير ممثـّلة بعـدُ في هذه البنوك غير الربوية .
وهي حتـَّى يكون لهـا إسهامات واضحة في حلِّ مشكلات الفقـر ،
وإصلاح حال الفقراء في العالم الإسلامي ، واستقلال مشرِّف عن الهيمنة الغربيـَّة ،
وربط راقي بين المال والعقيدة الإيمانية ،
وبين الاقتصاد وأهداف الأمـة ،
وحتَّى تتخلـَّص من عقدة تحوِّلهـا إلى دائن كبيـر ،
بدل شريك يثري ويحرك الاقتصاد في المجـتمع .
!!!!!!!!!!!
حتـَّى إذا حصـل ذلك يمكننا باطمئنان أن
نقول إن هذه المؤسسات المصرفية غير الربوية ،
يصلـح أن تكون مثالا ،
يستعمله الخبراء الاقتصاديون الإسلاميون في التبشير بالنظام الاقتصادي الإسلامي العالمي ،
أما الآن فينبغي أن يكون التمثيل بها حـذراً ،
وأن يُقدم النظام الاقتصادي الإسلامي الكامـل على أنه مشروع ينتظـر التطبيق .
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى أله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق